الرأي والتحليل

أجراس فِجاج الأرض.. عاصم البلال الطيب يكتب: رحبة.. المواصفات والمقاييس.. حصار الحُفَر بالإبرة

الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، ليتَ مع الهدوء التدريجي للأوضاع المضطربة، وبعد انتهاءٍ مقدَّر للحرب، تتسع تخصصاتها لضبط معايير شتى ضروب العمل العام، لإنهاء حالة الفوضى، وضبط التوظيف بالعلمية والمهنية لإصلاح شؤون الدولة المختلة. ومما يبدو، وبحسب الشواهد، أن آليات الاختيار للخدمة العامة غير مرضيٍّ عنها، فيما تضطلع الهيئة المتخصصة الحالية بأدوار حيوية مشهودة، ومصمَّمة لإطلاق الجزء وإرادة الكل.
مطلوب حراسة مواصفات ومقاييس مطلوبات حياة الإنسان، من الإبرة إلى الحفرة، وننتظر نتائج سياسة «حفر القائد العام بالإبرة» لإنهاء الحرب وإحلال السلام. فلندعُ إلى توسعة عمل هيئة المواصفات والمقاييس الحالية، أو إنشاء أخرى نظيرة، تأسيسًا على تجربة ثرّة، وتأسّيًا بسير إدارات متعاقبة، في مجملها أحسنت البلاء والعطاء.
وشاء القدر لحسناء السودان وحوّائه شَغلُ المنصب إبان مرحلة الحرب المستمرة، إذ تتولى السيدة رحبة سعيد عبدالله مسؤولية إدارة الهيئة، ابتداءً بالتكليف ثم بالأصالة، حائزةً على ثقة كبيرة من رئيس مجلس الوزراء والشركاء. وإني لأشهد بالظروف الصعبة والمعقدة التي تحيط بعملها، خاصة في أسابيع وشهور الحرب الأولى بالعاصمة الإدارية بورتسودان.
تغلّبت السيدة رحبة على إحباطات وخسائر الحرب، وتحلّت بروح التفاؤل والعزم، وببركة أهل الشرق وتعاونهم، نهضت الهيئة من قمقم الحرب، وكما أسطورة طائر الفينيق، محلّقة بثقافة المواصفات والمقاييس، حارسةً مصالح البلاد وصحة العباد في أحلك الظروف، مبرِقةً بوجود الدولة، وتقف حجر زاوية للتجارة الخارجية، صادرًا وواردًا، وتمثل محور ارتكاز لإدارة شؤون الدولة، لا غنى عنها داخل مؤسسات الحكم والحل والعقد.
والتوسعة الأولى لفك أي مظاهر اختناق ضرورةٌ ملحّة، لكسر أي جمود، دونما انتظار لاتفاقيات لا تزال بعيدة الموعد، في استلهام هيئة ظل من تجربتها العريضة، هيئة متخصصة في اختيار قيادات بالمواصفات والمقاييس المطلوبة بالمِلِّ لإدارة الدولة. وما السياسة إلا تفاصيل عمل الهيئة المكثف المبذول والمشهود، وحسبها حصار السلع الفاسدة وغير المطابقة والحرب قائمة.
الدكتور هيثم حسن عبدالسلام، المسؤول عن إعلام الهيئة، يبذل مجهودًا مقدرًا، وأتلقى منه، كما غيري، وابلًا من الأخبار لنشرها في واحدة من منصات صحيفة أخبار اليوم البديلة للنسخة الورقية. وأخبار الهيئة طوال سنوات الحرب مهنية من الدرجة الأولى، موثقة ومعززة بالصور والمعلومة الميدانية. والفضل يُرد لإدارة الهيئة والشركاء كافة، وأهل الشرق خاصة، من جاءتهم تارة، لأنهم أولي العزم في فتح الأبواب من وسع للمسؤولين والمواطنين.
فلهم التحية والتقدير، والحق في الاصطفاف لحماية الحقوق، والسعي لاسترداد ما يقدّرون أنه مسلوب، والاختلاف حول الوسائل والطرائق فيما بينهم أو مع الآخرين مشروع، بحسبانه البوابة الوحيدة للاتفاق.
حادثة تتريس الميناء التاريخية حقٌّ قام به من قام من أهل الشرق وغيرهم، للضغط على السلطة المركزية التنفيذية الانتقالية للتراجع عن مواقف، عجّلت بقرارات أكتوبر الشهيرة المختلف على توصيفها وتسميتها، بإطاحتها بسلطة حمدوك التنفيذية، المتخذة قياداتها من تتريس قواعدها للشوارع والمنافذ لتعطيل الحياة والضغط على قيادة الجيش، منصات للانطلاق صوب قصور ودور الحكم (أصحى يا ترس).
فسلاح أهل الشرق تتريس الموانئ، المغيِّر لمجرى فيضان الانتقالية، المستوحى من ذات أدبيات التتريس، التي يتطلب التخلص منها اتفاقًا سودانيًا مجتمعيًا مفقودًا، لا يزال البحث جارٍ عنه، كأحد أنجع الآليات لإيقاف الحرب. وحتى اتفاقٍ مجهول الموعد، لا بد من مراجعات لأدبيات التتريس ومغباتها، وقد كانت سبب انهيار حكومة الانتقال الأولى، وبروز الخيارين: إما الحرب أو الإطاري.
وموات عمل الموانئ لأضرار الحصار والتتريس بالغة، وجبرها من الصعوبة، ويضاهي إنهاء الحرب والصراع إزاء التداعيات والتقاطعات. ولئن أثبتت أسلحة التتريس تحقيق فوائد، فهي قصيرة الأجل، مديدة الضرر، ولا يستطيع الآن من يزاود بها أو ينكرها على غيره، وهو بأضرارها عليه وعلى غيره عالم.
الأجدى
والنظر للحصار المضروب على مقار هيئة المواصفات والمقاييس، ومنافذها بحي المطار أو غيره بالعاصمة الإدارية، من مواطنين بسببية أضرار واقعة عليهم، لا ينبغي التعامل معه بحسبانه مذمّة للقائمين عليه من مواطنين متظلمين، دون ربطٍ مُخلٍّ بجهوية، نظرٌ لا يُجدي فتيلاً ولا يقضي غرضًا.
فالمواطنون طبقوا آلية من آليات الضغط الانتقالي المحتاجة لمراجعة واتفاق مجتمعي، يعيبها ويحرّمها مطلقًا، أو يجعلها في أضيق نطاق. فأحيانًا ردّ الظلم يستدعي خرابًا. وحيثيات الوصول إلى الاتفاق المجتمعي موجودة في الأضرار الجسيمة ومغبات التتريس، من لدن أبو عيسى الأكتوبري وحتى اليوم، في لباس الحصار على الهيئة التي تُحسن القيام عليها امرأة تستحق بالعطاء الدعم والمساندة، مع إيجاد مخرج لدراسة أصحاب المظالم لنصرتهم أو دفعهم.
هذا أجدى من إقحام النظرة الجهوية، وأجندات التآمر والتخوين، وردّ بعض القرارات الوظيفية لقيادة الدعم السريع، المليشيا المتمردة الآن بإمرة وتوصيف الحكومة، تحاشيًا لإثارة الفتن وتوسعة مواعين المحن.
فالتوظيف في المرافق العامة أحد أهم أسباب نشوب الصراعات واشتعال الحروب ببلادنا، وإلا فمن بعينيه قذى لا يرى الخلل الكبير فيه، والاعوجاج والخطل العظيم مورد الخدمة المدنية، للهلاك العظيم والانحطاط الكبير، لعدم وجود هيئة مواصفات ومقاييس مرضيٍّ عنها للاختيار، بذات كفاءة وفعالية الهيئة المحاصَرة الآن، طلبًا لحقوق من سودانيين نترجّاهم النظر بعين المصلحة الكلية، في أضرار الحصار مقابل تحقيق المطالب المشروعة المناداة بها، وممارسة الضغوط في حدود، والبلد كله منكوب.
النظرة
نظرة مهمة لجملة مخاطر من استمرار الحصار، أو حتى اتخاذه سلاحًا برمائيًا موسميًا لمقابلة الجفاف متى وقع وحلّ مصابًا، دون تأكيد خبراء. فلينظر المحتجون في قائمة الأضرار، ويبحثوا عن وسيلة أخرى للإبقاء على أصواتهم مرفوعة، وفق حجة الهيئة وحزمة القوانين التوظيفية.
يتسبب، يا سادة، تتريس مقر الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس بولاية البحر الأحمر، إلى جانب مكتب المطابقة بحي المطار، في إحداث شلل واسع بإجراءات الصادرات والواردات، وإلحاق أضرار بالغة بقطاعات تجارية متعددة، وفق تأكيد عدد من المتابعين والمتعاملين مع الهيئة.
وكما أشار متابعون لإجراءات الصادر والوارد، فإن إيقاف العمل ومنع الموظفين من أداء مهامهم أدى إلى تعطل عمليات الفحص والمطابقة، وإصدار الشهادات اللازمة، الأمر الذي انعكس مباشرة على انسياب حركة التجارة، وأوقف شحنات جاهزة للتصدير وأخرى في انتظار الإفراج، وتسبب في خسائر مالية كبيرة نتيجة رسوم التخزين والتأخير، والتعاقدات المهددة بالإلغاء.
وأشار متضررون إلى أن استمرار تعطيل العمل بالمرافق الفنية المختصة بالمواصفات والمقاييس لا يضر فقط بالتجار والمستوردين والمصدرين، وإنما ينعكس سلبًا على سمعة البلاد التجارية، ويقوض الثقة مع الشركاء والجهات الخارجية التي تعتمد على انتظام الإجراءات الفنية والتزامها بالمعايير المعتمدة.
وتمثل الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس حلقة محورية في سلسلة التجارة الخارجية، وأي توقف في عملها يشكل اختناقًا مباشرًا لحركة الصادرات والواردات. إن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى فقدان أسواق خارجية، وتراجع تنافسية المنتجات الوطنية.
ونادى المتابعون بالتدخل العاجل لرفع التتريس، باصطحاب رموز المجتمع مفاوضين، لإعادة العمل بمقر الهيئة ومكتب المطابقة. ولا نود أن تبلغ الدعوة لحماية المرافق السيادية من أي تعطيل أو تخريب، وكفانا أذى الحرب.
فالمطالب الوظيفية، مهما كانت، يمكن أن تُطرح عبر القنوات القانونية، دون الإضرار بالمصالح العامة أو تعطيل شريان اقتصادي حيوي يمس الدولة والمواطن على حد سواء. ويمثل استقرار إجراءات المواصفات والمقاييس ركيزة أساسية لضمان انسياب التجارة وحماية الاقتصاد الوطني، والحل في تغليب صوت القانون والمؤسسية، حفاظًا على مصالح البلاد في هذه المرحلة الحرجة.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى